مفتي الجمهورية يوجه نصائح للمجتمع.. مسؤولية أمانة الكلمة تشتد.. والشائعات تدمر البشرية.. والتعليم الأزهري صمام الاستقرار في العالم

أحمد عبده

09:38 ص

الجمعة 21/أبريل/2017

مفتي الجمهورية - الدكتور شوقي علام
مفتي الجمهورية - الدكتور شوقي علام
أكد الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية، على أن الإنسان المسلم مأمور شرعًا بأن يتحرى ما يتلفظ به وما ينطقه من كلام؛ لأنه مسجل عليه، كما قال الله تعالى: "مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" [ق: 18].

وأوضح المفتي، في حلقة "من ماسبيرو"، أذيعت أمس الخميس، على القناة الأولى المصرية، أن هذا القول الشريف من ربنا سبحانه وتعالى يلقي على الإنسان مسؤولية كبيرة بضرورة التحري التام والكامل لكل ما يتلفظ أو ينطق به، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟" قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه فقال: "كُفَّ عليك هذا!" فقلت: يا نبي الله، وإنالمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: "ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يَكبُّ الناسَفي النار على وجوههم -أو على مناخرهم- إلا حصائدُ ألسنتهم؟" (رواه ابن ماجه).

وأضاف أن في هذا الزمان تشتد مسؤولية الكلمة أكثر؛ لأن التحديات تواجهنا من كل مكان ومن أطراف عدة، سواء عبر الكلام أوالكتابة أو على مواقع التواصل الاجتماعي، ونحن مسؤولون عن كلما يصدر منا بكل صوره.

وأشار إلى أن الإسلام كان حريصًا على غرس هذه المسؤولية فيالنفوس؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا" (رواه البخاري)، وهو إشارة إلى أن الإنسان يجب أن يكون حريصًا على كل ما يصدر عنه في سره ونجواه وفي كل أموره، وأن يعيد الإنسان النظر فينفسه إذا ما وجد أنه لا يتحرى الصدق.

وقال: إن على الإنسان أن يراقب نفسه وينظر هل كلماته وأفعاله تؤدي إلى الرقي والبناء والتعمير وتحسين السلوك؟ أم تهدم وتدمر وتفرق بين الأسر وأبناء الوطن الواحد؟ وأن يبحث كذلك في مآلات ما يقوله أو يكتبه.

وأضاف أن مواقع التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني بشكل عام أصبح لها قيمة كبيرة في حياتنا، ومما ينبغي العناية به غرس مسؤولية الكلمة في نفوس أبنائنا تجاه التعامل معها.

وأشار إلى أنه بتتبع مواقع التواصل الاجتماعي نرى أن كثيرًا من الناس قد جعلوها منصةً لنشر شائعات أو أخبار أو صور أو فيديوهات مثيرة وكاذبة، يتم مشاركتها بشكل كبير دون التأكد منصحة ما تحتويه، أو البحث في مآلات نشر مثل هذا الكلام وآثاره على السلم العام والأمن والاقتصاد وزعزعة فكر الناس ووعيهم.

وقال المفتي: يجب ألا نكون أبواقًا لكل ما نسمعه، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكل ماسـمع" (رواه مسلم)، فعندما نسمع أو نقرأ شيئًا لا بد أن نتحرىعنه ونستوثق منه، وندرك مآلاته.

وأضاف أننا لو عدنا إلى الماضي نجد الشائعة كادت تدمر البشرية، فعندما أمر الله سبحانه وتعالى أبا البشر سيدنا آدم عليه السلام ألا يأكل من الشجرة، أشاع الشيطان أن هذه هي شجرة الخلد، يقول تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْسَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِأَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20]، فأدت هذه الشائعة إلى الأكل من الشجرة وحدث ما حدث، وكذلك ما حدث في حادثة الإفك مع السيدة عائشة رضي الله عنها وهي منه براء.

وأشار إلى أننا مأمورون شرعًا بالاستيثاق والتأكد من كل مانسمعه، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍفَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

وأضاف أن مسؤولية الكلمة مشتركة، والأساس فيها يرجع إلى البيت،فبعض الناس يغرسون في أولادهم بطريقة غير مباشرة أخلاقالتحايل والفهلوة وتغليف الكذب بالتجميل؛ لذا ينبغي على الوالدين أنيتحريا الصدق سلوكًا وقولًا أمام أولادهم، لأن التربية بالأفعال والقدوةالحسنة هي الأساس، والقرآن الكريم يعتب على الذين يقولون ما لايفعلون؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3].

وأشار إلى أن المدرسة كذلك عليها دور كبير في الجانب التربوي، منناحية غرس خلق الصدق في نفوس الطلاب، والتحذير من الكذبونقل الشائعات، فإذا رأى المعلم أن طالبًا يقوم بنقل الكلاموالشائعات؛ فعليه أن يخبره بخطر ذلك في الدنيا والآخرة.

ووجَّه مفتي الجمهورية نصيحةً إلى الشباب والمتعاملين مع مواقعالتواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني بعدم تناقل، أو نشرالمعلومات والأخبار، دون التأكد منها والتحري عنها ومعرفة مدىأثرها على الناس والمجتمع، وأن يشعروا بمسؤولية ما يكتبونه؛ لأنالله تعالى يقول: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]،فيكون كلامهم مشروعًا ليس مثيرًا أو خارجًا، ولكن فيه الفكر والعمقوالتربية والرقي، ولا يصل للإسفاف كما نرى عند الكثيرين الآن.

وأوضح مفتي الجمهورية أن إطلاق الشائعات والأخبار والمعلوماتالكاذبة دون تَحَرٍّ، يضع الإنسان تحت طائلة العقوبة في الدنياوالأخرة، ففي الدنيا هناك العقوبات والتشريعات التي يضعها الحكامللجرائم الإلكترونية والتشهير ونشر الشائعات وغيرها، وكذلك فيالآخرة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها سبعين خريفًا في النار" (رواه أحمد في مسنده).

وحذَّر المفتي من خطورة الإفتاء بغير علم ولا تأهيل، أو نشرفتاوى غير المتخصصين؛ لأن من يتصدر للفتوى لا بد أن يتدرج فيمراحلها العلمية التي تحتاج إلى جملة من العلوم لضبط الفتوى.

وأكد مفتي الجمهورية أننا بحاجة إلى ضرورة تنظيم الفتوى وقصرهاعلى المختصين، حتى لا تستمر هذه العشوائية التي تسعى إلىتغيير المستقر وإنكار المجمع عليه.

ولفت إلى أن تلك المنهجية كانت متأصلة في تلقي الصحابة عنالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعندما جاءت جدة توفي حفيدهاإلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله عن الميراث، قاللها: "ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنَّة رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس"، فسألالناسَ، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بنمسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة؛ فأنفذه لها أبو بكرالصديق.

وأكد مفتي الجمهورية أن التجربة المصرية الكبيرة في التعليم الأزهري، من حيث العلمُ الشرعيُّ على مدار أكثر من ألف عام، كانت صمام أمان لاستقرار المجتمع وجميع المجتمعات، ليس في مصر فقط ولكن في العالم كله.