عبدالسميع لن يدخل البيت الأبيض

أحمد سليمان

02:39 م

الخميس 20/أكتوبر/2016

في الفيلم الشهير، يفد عبد السميع، الرجل الصعيدي البسيط الذي لم يلقي حظا من التعليم ،هو وأسرته الي القاهره ليعمل كحارس عقار ،ورغم تعرضه لعملية نصب بمجرد ان وطئت قدمه محطة الوصول في المدينه الواسعه ، فقد استعاد توازنه سريعا وتعلم متطلبات وظيفته في لين وخضوع ،ويوم بعد يوم ،ادرك ان كل هذه البنايه الشاهقه خاويه من داخلها ،فبدأ ينفذ خطوه بخطوه من الرتوق المتسعه في نسيج الثقافه الحضريه المصريه، ليصبح في وقت قصير اغني من سكان العماره مجتمعين.
استطاع عبد السميع ان يلعب بمهاره فرعونيه ،وهو الجنوبي ذو السحنه الداكنه والدهاء المستتر وراء الجلباب المخطط ونظرات العيون الساذجه،علي اطماع السكان وهوسهم بالمظاهر والابهه ومساحيق الزينه التي تخفي عورات النفوس،استطاع ان يستدرج بسهوله الموظف الكبير الي اوحال السمسره الرخيصه والكسب الحرام مستغلا الفارق بين مكانة الرجل التربويه والاجتماعيه وبين الملاليم التي يتقاضاها،لعب علي منظومة قوانين رخوه لا تضمن حقوق ،ومنظومة اسكان مهترئه عاجزه تترك الناس تحت رحمة من لا يرحم،فلم يجد اية مشاقه في ان يشتري قطع الارض بأثمان بخسه، نتيجة مااكتسب من مهارات الفهلوه والاحتيال، ويبيع الشقق قبل ان يضع طوبه واحده علي اخري .
صعد عبد السميع سريعا الي قمة السلم الاجتماعي واصبح سيدا علي من كان بالامس يخدمهم .
حسنا، يحدث للشعوب ايضا في اوقات (الغلوشه) علي وعيها الجمعي ان تفقد التمييز بين معادن الرجال فتخلي السباق من حواجز المنافسه ليتقدم السفهاء والشطار ويمسكون بزمام القياده .
وحين برق نجم دونالد ترامب في فضاء الميديا الامريكيه ،خمنت انه مجرد وجه مختلف وقماشه جيده للاخبار المسليه سرعان ماسوف يزهدها الامريكيون ،خيب الرجل ظني واستمر في الصعود وجلب الاهتمام وصناعة الصخب ،ليصبح مرشح الحزب الجمهوري في سباق الرئاسه الاميكيه !
تكاد دهشتي وانا صغير اشاهد عبد السميع وهو يلعب بالبيضه والحجر ويرتقي فوق اكتاف ضحاياه ليصبح المعلم ورجل الاعمال ،مع دهشتي وانا اتابع رحلة ترامب في دروب السياسه الامريكيه الوعره ليقود الحزب الجمهوري ويحظي بدعم الملاليين من الامريكيين !
الرجل يفتقد مفردات اللغه السليمه للتعبير عن آراءه ،يجهل قواعد التواصل الانساني في ثقافة البلد التي نشأ فيه ويتطلع ان يحكمه، فلا ينظر في عيون سائليه ويرد بفظاظه وعدوانيه ،يعاني من اميه عاطفيه وهو عرض نفسي يسمي ( Alexithymia ) اي العجز عن وصف المشاعر وتحديد هويتها ينتج عنه نهم شديد لطلب التعاطف والتاييد وتصديق الناس علي كل كلمه وتلميحه تصدر من المصاب ،لذلك تراه يجلس في اوقات متأخره من الليل الي موقع تويتر للتغريدات ليسب معارضيه ويهين النساء بالفاظ بذيئه وينتقص من قدر الاقليات والمهاجرين (وهو ينسي دائما ان الولايات المتحده بنيت بسواعد المهاجرين) ، ويفرغ شحنات الكراهيه التي تملأ ه علي منصات التواصل ونوافذ الاعلام،كما انه يغرق في شبر ماء حين يسأل عن ملفات دوليه هامه مثل الملف السوري وسلام الشرق الاوسط والعلاقات مع الصين ،يتحدث بلغه صبيانيه ومنطق فتوات الحواري في روايات نجيب محفوظ عن الاسلحه النوويه التي طالما تملكها امريكا فلماذا -في رأيه -لا تستخدمها ؟؟؟؟ .
وفي المناظره الرئاسيه الاخيره ضد هيلاري كلينتون هددها بتبجح انه في حالة ما اذا كان مسئولا عن القانون في الولايات المتحده فسيلقي بها في السجن ! وهنا داس دون ان يشعر علي وتر حساس في الثقافه السياسيه الامريكيه التي تعتبر سجن المعارضين ممارسه استبداديه شائنه تلقي بأمتهم في مصاف الدول التي تئن وتتخبط في ظلمات حكم الفرد !
يعتقد البعض ان صعود ترامب يعبر عن خلل في بناء الديموقراطيه الغربيه ،وربما لم يجانبهم الصواب كثيرا ،لكني اري ،وعلي علي النقيض من ظاهرة عبد السميع المصري التي تأبي ان تختفي-في الواقع وليس الفيلم- وتعبر بالفعل عن امراض اجتماعيه مستعصيه ،ان تجربة صعود وهبوط ترامب لهي صحيه ومفيده بالنسبه للتفاعلات السياسيه والاجتماعيه في الولايات المتحده ، فالرجل نزع الغطاء عن الكثير من مواطن الضعف والارتباك في وعي الامريكيين ببلدهم كأمه واحده متحده تقوم علي التعدد واحترام الاختلافات العقائديه والاثنيه ،نجح ترامب في ان يثير الفزع في نفوس الامريكيين علي ماحققوه عبرسنوات طويله من رصيد هائل في الحقوق المدنيه والحريات العامه واستنفر طاقاتهم وتجاربهم التاريخيه امام تحدي الحفاظ عليه وصيانته .
يعتقد البعض ايضا ان قذائف الاهانه والتقريع التي تطلق علي هذا العنصري البائس من كل اطياف الشعب الامركي شديد التنوع والتي قد يحلو لرواد منصات التواصل تسميتها (قصف جبهات) هي الدليل الوحيد علي قرب اعلان نهايته ،لكن في الحقيقه ان نهاية ترامب كسياسي تشكلت مبكرا عن ذلك ، بعد ان ايقن داعموه ان الرجل ليس بالقوه التي يرجونها فيه ،وأن تصريحاته المثيره ليست علي سبيل الدعايه و(شغل )الانتخابات بل هي تكشف بالفعل عن مكامن اضطراب وفقدان للرشد يعاني منها الرجل لا تؤهله بالطبع ان يقود امريكا فضلا عن ان يجعل منها عظيمه مره اخري كما يردد في شعاراته ،فبدأ الكثيرون -حتي من اعضاء حزبه- في التراجع عن تأييده ،وتخبو الان بمعدلات سريعه هالة العظمه الزائفة التي اصطنعها ترامب لنفسه وخدع بها جمهوره، وهو علي الارجح لن يصبح رئيسا علي الولايات المتحده ، وقريبا جدا سيكتشف من راهن عليه في الدوائر السياسيه بالشرق الاوسط انهم قد راهنوا علي الرقم الخاسر.
موضوعات متعلقة