أنا مرات الظابط

12:56 م

الثلاثاء 18/أكتوبر/2016

سها رجب
سها رجب
بقلم: سهى رجب
من تتزوج من ضابط يطلقون عليها "محظوظة".. وتظل صديقاتها يتهامسن عنها انها فازت برجل "قيمة ومركز ووظيفة ميري"، تتفاخر أمها بها أمام نساء العائلة لأنها نجحت في أن تكون "حرم حضرة الضابط"، وأنا واحدة من هؤلاء اللاواتي فزن بقلب حضرة الضابط، فتزوجت أحد خير أجناد الأرض، ضابط بالقوات المسلحة.

ولا يخفى على الجميع المخاطر التي يتعرض لها هؤلاء الضباط، لكنني فوجئت بعد حادث سيناء الارهابي الاخير الذي راح ضحيته 13 شهيدا من أبناء القوات المسلحة، وجدت بعض الألسنة تطول هؤلاء الشرفاء بكل ما هو سيء، ومن أغرب ما قرأت عبر وسائل التواصل الاجتماعي تعليق لسيدة تقول: "وايه يعني لما يموتوا أجلهم كده وبعدين ما هما بياخدوا مرتباتهم عشان يروحوا يحاربوا مش كفاية 40 سنة قاعدين".. انتابتني حالة من الذهول والاشمئزاز من هذا التعليق، وما أثار اشمئزازي أكثر ان اغلب من اعجب بهذا التعليق من السيدات.

ومن هنا قررت أن اكتب هذا المقال، وسأوجه حديثي للسيدات.. وسأطلب منهن أن يتخيلن معي الآتي:
تخيلي سيدتي نفسك وأنت تجهزين حقيبة زوجك وهو عائد من إجازته إلى العمل وانت تحبسين دموعك حتى لا يراها ويحزن في أخر ليلة سيقضيها في منزله قبل أن يعود إلى ثكنته العسكرية.

تخيلي نفسك وأنت تحاولين فك ذراعي ابنتك عن رقبة أبيها عند باب المنزل والدموع تغطي وجهها.

تخيلي نفسك وابنك او ابنتك قد مرض ودخل إلى غرفة العمليات ووالده لا يعرف وتسمعين صوت طفلك يصرخ "عاوز بابا".

تخيلي نفسك وأنت أب وأم طوال الوقت حتى لا يشعر أطفالك بعدم وجود الأب وهو حصن أمان البيت.

تخيلي نفسك وأنت محرومة من أنفاس زوجك بالمنزل لمدة شهر وربما أكثر.

تخيلي نفسك وأنت ممسكة بأخر ملابس ارتداها داخل المنزل وتضميها لصدرك وتشمين رائحته فيها ودموعك تبلل مخدتك طوال الليل.

تخيلي نفسك والنوم قد خاصم عيناكِ لأيام فتنهضي من فراشك في منتصف الليل تفتحين دولاب زوجك وترتدي قطعة من ملابسه لتشعري بالامان وتنامي.

تخيلي نفسك وانت تتصلين على زوجك لثلاثة أو اربعة أيام متوالية وتجدين محموله خارج نطاق الخدمة لأنه ببساطة في مأمورية لا تعرفين حتى وجهتها.

تخيلي نفسك وكلما دق جرس هاتفك يرتجف قلبك خوفا من أن يأتيك صوتا أجش يخبرك أن رب بيتك قد استشهد.

تخيلي نفسك زوجة أحد الشهداء وقد ودعتيه عند باب البيت على أمل اللقاء فتلقيه في صندوق خشبي ملفوفا بعلم مصر.

هل تخيلتي سيدتي هذه اللحظات؟ هل شعرتي بمدى صعوبتها وقسوتها؟ هذا ما نعيشه أنا وكل زوجة ضابط، نموت في اللحظة ألف مرة خوفا وكمدا، نعيش الوحدة بأقسى معانيها، نعيش الغربة الداخلية في أبشع صورها، كم تساوي هذه اللحظات من وجهة نظركن؟ راتب شهر؟ راتب سنة؟ راتب مليون سنة؟ أظن أن كنوز الدنيا لن تعوض واحدة منا عن ليلة باتتها تتحدث لصورة زوجها الذي تفتقده، لن تعوض طفل عن حضن أبيه، لن تعوض طفلة عن ابتسامة وجه أبيها لها وهو يقوم بتوصيلها إلى المدرسة في أول يوم دراسة.

ليت كل من يسيء إلى الضباط يعرف كم المعاناه التي يعيشها هؤلاء وأسرهم ثم يقول ما يشاء ويسيء كيفما يشاء، فكما يقول المثل الشعبي في صعيد مصر "ميحسش بالنار الا اللي كابشها".

نعم أنا "مرات الظابط"، نعم أنا من تحتضن بيادته وتقبلها، نعم أنا من تبحث عن رائحته في منديل أو قميص ليرتاح قلبها ولو قليلا، أنا مرات الظابط التي تظل ليالي طويلة تقلب في صور زوجها وتبتسم في وجهه وتحدثه كأنه معاها، رغم أنه هناك على الحدود تحت خط النار، أنا مرات الظابط التي تكتب أخبار الاشتباكات بين الجيش والارهابيين وقلمها يبكي قبل عينيها.. نعم أنا مرات الظابط وافتخر.
موضوعات متعلقة