"إذاعة الأغاني ... بوب ديلان"

د. حمدي النورج

12:55 م

السبت 15/أكتوبر/2016

ساكن بجوار الأحباب...اتخذ مكاناً راقياً عندما سمع مقولة النجمة وهي تنادى القمر ...القمر الذى ذاب عشقا عندما كتب عنها.. الليل ناعس على البيوت والغيطان، والبدر يهمس للسنابل والعيدان...هي لغة الأغنية الشاعرة البناءة...أنهار الهوى وظلم الهوى وغدر الهوى وقدرة الحب الغالبة... حيث الانطلاق من التحليل الراقي لجو القصيد، وخلفيات الصورة المكونة لها وبخاصة الأداء الحركى المتعلق بحركة الموسيقى وتناغم النغمات واستواء الآلات وتنوع دلالاتها إلى جوهر القول الذي يعد العمد في علم الإصداح والتمتع ..الحديث إذن عن الأغنية وعالمها وعن كتاب بعينه "إذاعة الأغاني" لعمر طاهر.

جريان الحياة يستتبعه أغنية تدور في الخلفية...بينما تدور الأغنية ثمة حياة تجري في الخلفية، إنها حالة الاقتباس الماكرة المهداة التي يختزلها الفنان أو يقتنصها من عالم الواقع في إطار زمنى محدد هو زمن الطرب ..وإطار مكاني متنوع يحكمه فعل البث وطريقته ..يلون ويزخرف ..يحكي ويعتذر ...يتشوق ويحب ..يحلم ويحكى ..ينصح ويصف في لغة حب هي السائدة ..وخطاب قلب الذوق هو محوره الأساس .

ليس كتاب "إذاعة الأغاني" بحثا في التأصيل التاريخى والفكري لعالم صناعة الأغنية ...إنه رحلة بحث في الخلفيات والآثار التي تصنعها جرعات الحب والفن الهادف في شخصيات المتلقين ...تحمل الأغاني رسائل مهمة منها توثيق سلوك المجتمعات وأحوالها ، استرجاع المخزون الشعبي الثابت الراسخ ..التشفع بجوهر الحب والتضحية والإيمان بقيمة الوطن وأحقيته ..الرسائل الناضجة الرافضة للقهر والحزن والألم ...لحظات البث الحادة والقاسية ...إنها دنيا التشكل والتلون والعزف عند الكشف عن خلفيات هذا الفن الرائق الرائع وأثره المرتد على كاتب يملك حاسة الذوق والمعرفة السليمة والمنضبطة

لم تعد الأغنية إسماعا وخطابة، بل صارت شعر إبصار وقراءة مفتوحة الصفحات والفضاءات ..لم تعد محصورة في فضاء الصفحة مثل الشعر بل خطت خطوات واسعة ..لقد كان التصور للفضاء قديما دوريا وكان أفضل الأشكال هو الدائرة، على ذلك كانت قصائد الشعر في صورتها الدائرية هي الأفضل حيث التماس مع الصورة العامة المشكلة لجوهر الثابت من الأشياء مثل الصحراء...الأغنية الآن مشاكلة للون البناءات والتشييدات والمنجزات الحادثة، إنها لغة ما بعد الحداثة الفاعلة المقيتة.

كتاب "إذاعة الأغاني" جاء متماسا مع جوهر الفعل وقياس الأثر بلا فضفضة أو انتهاك لجوهر كل أغنية وصانعيها، احتفظ للمبدعين بحقهم الفني فى البوح والإصداح واحتفظ أيضا لصانعي الطرب بقامة عليا تقارب فعل التطهير المساعد للمتلقين ...الكتاب في فن التوظيف لا في فن الاختزال والحكي ..حيث ذاكرة اكتساب المعاني وتوظيفها وصولا إلى فهم خلفيات النصوص السريعة والرائقة ..أقصد الأغنية _ ولا رجوع لروح السياق مثلما كان يحدث قديما لعالم فهم النص، ولا تقدمة لسببيه الفعل وأثره ..فقط الأغنية تقف وحيدة تتحدى عالم الصراعات ومجالاتها...تتناسى الأزمان والأمكنة، والأدوات والمطربين... تبحث في عالم الفعل والتأثير القوى الذى تحدثه في نفس المتلقى ..إنها اللغة العالمية لعالم المشاعر..عالم الإنسان النابض بالتحرر والحب ورفض القهر حيث الخلاص الخلاق للفعل المستتر والأبدي عندما تضعها في خلفية المشهد، هكذا يقول الكاتب عندما يحول ذكرياته مع كل أغنية بتأصيل الهاجس النفسى والتأثير الفعلي لعالم الأغنية .

وصحيح.. يحكم كل الأفعال الإطار السياقي المنظم والمؤطر لها، لكن في عالم الأغنية يحكم التسييق الكثير من الأشياء، أهمها النزوع الفردي نحو التأثير والتأثر.

كتب عمر طاهر كتابه عام 2015، في وقت ينظر البعض فيه إلى الأغنية كعامل طرف وخلفية معرفية ومعادل تحفيزى على الفعل لاغير، في وقت أعلنت فيه الأكاديمية السويسرية فوز بوب ديلان الشاعر والموسيقي ومؤلف الأغاني الفوز بجائزة نوبل في الآداب.. إنه التحول الحادث لأفعال ما بعد الحداثة عندما تذوب الحدود بين الأنواع والفنون، عندما يقاس الفعل بجم رد الفعل ، عندما تغدو الأشياء لغات عالمية كبرى وتتناطح الكيانات الكبرى في سلوك الاستحواذ ...ورغم اللغة السهلة وجوهر الحكي الرائع وذاتية الكتاب ولغة القص البسيطة والحاضرة ..

يبقى كتاب عمر طاهر "إذاعة الأغاني" كتابا مختلفا وشيقا ...نقطة أخيرة يجملها الآتي ...عندما تكون الأغنية هي الخلفية لصناعة الأشياء ، تبقى الأغنية حاملة لجوهر الأحداث الكبرى لو أتقن الفعل ...كيف تفعل الأغنية ذلك ؟ كتاب إذاعة الأغاني لعمر طاهر يدلك على جوهر الفعل وأصله .
"إذاعة الأغاني ... بوب ديلان"
"إذاعة الأغاني ... بوب ديلان"